د.عبدالرحيم بلال
"هو
عمل يبذل خارج نطاق السوق، عمل يبذل لأسباب إنسانية (او دينية - بلال) دون مقابل
مادي او نقدي واجب السداد يمكن ان يطالب به قانونياً او عرفياً (احمد الطيب زين
العابدين، الخرطوم 1984) هذا التعريف يقصد به " العمل الذي يؤدي خارج سوق العمل
لمصلحة اخرين ودون اجر او بمقابل تقل فيمته عن القيمة التى تحكمها علاقات
السوق".
والتعريف السابق لا يشمل العمل الذي
يؤدى كذلك خارج سوق العمل ودون اجر او مقابل تحكمه علاقات السوق ولكنه يؤدى لتحقيق
مصالح مشتركة مثلا في الحركة التعاونية والنقابية فى المجتمع الحديث والتغير الفرع
فى المجتمع التقليدى.
وللعمل الطوعي ثلاث ركائز هي : المتطوع
(بكسر الواو) والمتطوع له (بفتح الواو) والمتطوع به (بفتح الواو) والمتطوع به يمكن
ان يكون ماديا في شكل مال او شكل عيني او في شكل وقت او مجهود ذهني او جسدي.
والمتطوع به هو فائض من الموارد ويحدد
مستوى الإنتاجية شكله وصورته حسب مدى تطور القوى المنتجة، وخاصة وسائل الإنتاج من
أدوات وآليات. وكلما قل الفائض من الموارد كلما اخذ المتطوع به شكل العمل والمجهود
الجسدي ولكن في حالة تطور وسائل الإنتاج وارتفاع الإنتاجية يأخذ المتطوع به الشكل
النقدي والمجهود الذهني.
وقد كانت مسئولية تسجيل هذه الجمعيات
تقع على عاتق مصلحة الرعاية الاجتماعية التى صارت وزارة في عهد مايو. وهناك منظمات
طوعية غير هذه الجمعيات الخيرية مثل الجمعيات التعاونية والتى يتم تسجيلها في
وزارة التعاون والنقابات التى كانت تسجل في وزارة العمل ولكن تحول تسجيلها في عهد
الإنقاذ للنائب العام. وقد ظلت كذلك جهود العمل الأهلي في التعليم والتى ارتبطت
بالحركة الوطنية ومؤتمر الخريجين في الثلاثينات والأربعينات والأحزاب خارج نطاق
هذا المفهوم القاصر المحدود الذي كان يحكمه مفهوم الخدمة الاجتماعية كما سبق ذكره.
وجاءت الأبعاد السياسية لفهم العمل
الطوعي بجانب البعد الخيري والتنموي نتيجة للبحث في دور الدولة عامة ودول العالم
الثالث خاصة. فالدولة الحديثة في كثير من الدول النامية ، وخاصة الأفريقية ، كانت
نتيجة الاحتلال الاستعماري. وكان هدفها الأول والأخير هو خدمة مصالح المستعمر ،
والحفاظ على النظام والقانون (Law
and Order) لتحقيق
هذه المصالح . ولم تكن المشاركة الشعبية من أهدافها بطبيعة هذه الوظيفة الخارجية.
وبعد الاستقلال كانت دولة ما بعد الاستقلال التى سيطرت عليها الصفوة التى لم يكن
من أهدافها تحقيق مبدأ المشاركة بالرغم من تطبيق الديموقراطية في تلك الدول
وبالرغم من الدور الكبير الذي يقوم به القطاع العام في الاقتصاد مقارنة بالقطاع
الخاص الذي كان دوره محدوداً للغاية في العقود الأولى بعد الاستقلال. ثم تلاحقت
الانقلابات العسكرية بدعوة محاربة الفساد والدفاع عن مصالح الشعب ورفع مستوى
معيشته. ولكن انفراد المؤسسة العسكرية بالسلطة قاد لسيطرة فئة قليلة زادت هي كذلك
بعداً عن عامة الشعب ، بل كانت قاهرة بصرف النظر عن بعض النجاحات في مجال مشاريع
التنمية الكبيرة مع إهمال واضح للتنمية الريفية بمعناها الحقيقي أي تحديث القاعدة
الإنتاجية للمنتج التقليدي الفعلي وليس بمعنى قيام مشاريع زراعية او زراعية صناعية
كبيرة للدولة في الريف. وقد أدى ذلك الى استنزاف القطاع الريفي التقليدي الذي تعيش
فيه أغلبية السكان، وذلك لمصلحة بعض قطاعات سكان الحضر المترفين. واتسع قطاع
الدولة في الاقتصاد نتيجة لهذه السياسات مما جعل بعض المفكرين اليساريين والباحثين
في شئون الدول النامية يعتبرونه القاعدة المادية لبرجوازية الدولة. في حين اعتبره
يساريون آخرون القاعدة المادية للثورة
الوطنية الديمقراطية التى تمهد للثورة الاشتراكية . وقد استشرى الفساد في دول ما
بعد الاستقلال خاصة في أفريقيا في أجهزة الدول والقطاع العام وفي بعض الدول في
الحزب الواحد الحاكم الذي انفرد بالسلطة. وانتشر الفقر وساد القهر واهدار حقوق
الإنسان وعمت ملاحقة المعارضين بحجة خدمة قضايا التنمية والمحافظة على مكتسبات
الشعب التى كانت مكتسبات الفئات الحاكمة فقط. وأمثلة على ذلك بوكاسا في أفريقيا
الوسطى وموبوتو في زائير وماركوس في الفلبين وسموزا في نيكاراجوا الخ…..
وتحت هذه الظروف زادت التساؤلات في
أبحاث الدول النامية عن علاقة الدولة بالشعب والدور التنموي والسياسي للمنظمات
الطوعية وغير الحكومية وكذلك عن قضية المشاركة في السياسة والتنمية بدءاً بتخطيط
المشاريع وحتى تنفيذها وتقييمها مما يعني النزول بها الى الشعب أي المنتفعين بها
حقيقة.
وقد فرض مبدأ المشاركة نفسه في السياسة
والتنمية لأسباب عديدة منها:
1) فشل مشاريع التنمية التى تخطط وتنتقد من
أعلى بعيده من الشعب
2) انتشار التعليم بعد الاستقلال والتعرف
على تجارب الدول الأخرى عبر المنح والبعثات والمؤتمرات وأجهزة الأعلام مما ضيق
الشقة بين الحكام والمحكومين. وكانت نتيجة ذلك قيام جمعيات طوعيه لتحد من هيمنة
وقهر أجهزة الدولة والنخب الحاكمة مثل الدفاع عن حقوق الإنسان.
3) توسع القطاع الخاص وانفلاته في استعماله
غير المرشد للموارد الطبيعية وقد شاركه في ذلك القطاع العام ثم استيراد وانتاج
السلع المعيبة بهدف تحقيق أعلى ربح وفي اقصر وقت مما أدى الى قيام جمعيات حماية
البيئة وحماية المستهلك التى بدأت في السبعينات وانتشرت في التسعينات لتحد من
انفراد سلطة الدولة والقطاع الخاص في اتخاذ القرار ولترشده.
4) لقد احتدت مشاكل التمدن في الفترة الأخيرة خاصة
منذ السبعينات وتفاقمت في الثمانينات نتيجة الكوارث الطبيعية واندلاع الحرب
الأهلية. وبسبب الهجرة المكثفة الى المدن نتجت الأحياء العشوائية في المدن بسرعة
عظيمة ، وتفككت الأسر الممتدة، وغابت الضوابط الاجتماعية الجماعية، وانتشر التشرد
وتفشت العطالة ، ودخلت المرأة الحضرية والنازحة سوق العمل. فكان التدهور البيئي في
الحضر نتيجة لسوء توزيع السكان وتكدسهم في المناطق الحضرية وزادت احتياجات المدن واستهلاكها
من الوقود والطاقة فزاد قطع الأشجار وحرقها الى فحم. وكيف ذلك انتشار علاقات السوق
والتبادل السلعي. وقد سبق ذلك كما ذكر سابقاً أثار السياسات الزراعية الخاطئة التى
أهملت الريف، بل وضعت موارده تحت رحمة مستثمرين من خارجه ليستنزفوا موارده
الطبيعية و لا يعيدون استثمار أرباحهم فيه، بل تحول الى المدن في قطاعات غير
إنتاجه مثل العقارات او تحول الى الخارج مما قلل من مقدرة استيعاب القطاع الحضري
للعمالة وزادت العطالة وحدة الفقر.وقد أدى كل ذلك لقيام
منظمات طوعيه من نوع جديد تعمل في مواجهة هذه المشاكل.
ان الممارسة السابقة والأسئلة عن علاقة
الدولة بالشعب كانت السبب الأساسي في توسيع مفهوم العمل الطوعي والمنظمات الطوعية
بوصفها مواعين ومؤسسات تضمن المشاركة في السياسة والتنمية لكل قطاعات الشعب ،
وتضمن كذلك مراقبة أجهزة الدولة بالرغم من دورها المكمل لهذه الأجهزة ، ولا تقتصر
على تقديم الخدمات الاجتماعية للمستضعفين. وجاء نتيجة هذا التوجه مشاركة المنظمات
الطوعية في كل المؤتمرات الدولية الأخيرة الهامة مثل مؤتمر ريو ومؤتمر القاهرة
للسكان والقمة الاجتماعية في كوبنهاجن ومؤتمر المرأة في بكين ومؤتمر الموئل في
اسطنبول.
2 -1 السودان
في إطار التوسع في مفهوم العمل الطوعي
نال قطاع واسع للعمل الطوعي فى السودان الاهتمام فقط في العقدين الأخيرين إذ كان
مهملاً ولم ينل الاهتمام الذي كان يستحق خاصة بعد الاستقلال وهو قطاع المجموعات
وجد العمل الطوعي في المجتمعات
التقليدية اهتمام بعض الأنظمة السياسية فى السودان. وبدأ هذا الاهتمام واضحاً في
عهد مايو بتكوين لجان تطوير الريف وحركة العون الذاتي التى قامت بدور كبير في
تقديم الخدمات للسكان المحليين مثل بناء المدارس والشفخانات ، هذا بالاضافة الى
بناء المساجد الذي كان يقع على عاتق المواطنين أصلا قبل الاستقلال بسبب سياسة
الاستعمار المعادية لانتشار الوعي الديني. ولكن وللآسف حاول نظام مايو بصفته
الشمولية احتواء هذا العمل الطوعي وتنظيماته وضمها الى التنظيم السياسي (الاتحاد
الاشتراكي) كما حدث بالنسبة للمنظمات الطوعية القومية مثل النقابات والتعاونيات
واتحاداتها والمنظمات المهنية.
وحين اجتاح السودان الجفاف والمجاعة في
منتصف الثمانينات لجأت المنظمات الطوعية العالمية التى خطفت الأضواء من منظمات
العمل الطوعي الوطنية بإمكانياتها ونفوذها ونفوذ الدول التى تقف وراءها. لجأت الى
توظيف روح هذا العمل الطوعي المحلي في المجتمع التقليدي وتنظيماته في تقديم العون
والإغاثة ، وكذلك في مشاريع التنمية خاصة الإصلاح البيئي بعد مرحلة الإغاثة . وقد
استفاد نظام الإنقاذ من روح وأنواع ومنظمات العمل الطوعي التقليدي القاعدية في
تكوين تشكيلاته القاعدية السياسية مثل اللجان الشعبية القاعدية.
9 - منظمات العمل الطوعى والتشبيك
بعد
تحفظ من مفوضية العمل الإنساني التى تقوم بتسجيل المنظمات الطوعية حول التشبيك دام
للسنين سمحت به في عام 1995. لذلك ازدهر التشبيك بين منظمات العمل الطوعى
السودانية والأجنبية مما أعطى التنسيق بينها على مستوياتها المختلفة - قاعدية و وسيطه ومانحه -دفعة قوية . وشبكات
العمل الطوعى في السودان حالياً هي:
1-
شبكة
مكافحة الإيدز بدأت عام 1995
2-
شبكة
الجمعيات العاملة في مجال محاربة التصحر
بداءة عام 1997
3-
شبكة
جمعيات المرآة لمحاربة التصحر عام 1997
4-
شبكة
المنظمات العاملة في مجال تنمية المرآة 1999
ان التشبيك سيساعد
بلاشك في التنسيق بين المنظمات وتبادل المعلومات والمعارف بينها. كما يساعد على لامركزية الجمعيات الطوعية
القومية المتمركزة في العاصمة القومية إذ سيمكن من قيام جمعيات ( فرعيه) في الولايات تجمعها شبكة قومية تكون الجمعيات
القومية الحالية نقاط ارتكاز لها مما يساعد على انتشار الجمعيات الوطنية في كل
إنحاء السودان. وبذلك يمكن التغلب على
ضعفها الناتج من تركيز عملها في مدن ومناطق محدودة. كما ان التشبيك سيساعد الجمعيات الوطنية في ان
تلعب دورا فاعلا في الشبكات الإقليمية والدولية في ظل العولمه. وهذا النوع من التشبيك له فوائد عظيمة في
التضامن والتعاضد الدولي ويمكن ان نطلق عليه العولمه من القاعدة للقمه (عولمة قوى
الخير) في مواجهة العولمه من القمة التى تهيمن فيها الدول الغنية والمؤسسات الدولية
القوية التى تخضع لهذه الدول الغنية.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق